كتب شاي فيلدمان في تحليل نشرته مجلة ذا ناشيونال إنترست أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أخفقت، كما حدث في عام 1973، في تحديث فهمها لخصمها قبل هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، ما سمح بوقوع مفاجأة استراتيجية واسعة النطاق.
منذ عام 2023، اعتاد الخطاب السياسي الإسرائيلي، مع اقتراب ذكرى 7 أكتوبر، على توزيع المسؤولية عن الكارثة. وغالبًا ما يُعزى أعنف هجوم استهدف اليهود منذ المحرقة إلى ما يُعرف في إسرائيل باسم «الكونسبتسيا» أو «المفهوم».
فما المقصود بالكونسبتسيا؟ إنها الإطار الفكري الذي يتبناه القادة الإسرائيليون وكبار المسؤولين في أجهزة الاستخبارات والمؤسسة الأمنية لتوجيه رؤيتهم للأمن القومي. وما إن يترسخ هذا الإطار حتى يدفع صناع القرار إلى رفض المعلومات الجديدة التي لا تتوافق معه أو تجاهلها، وهي عملية يصفها علماء النفس، على المستوى الفردي، بالتنافر المعرفي. وفي إسرائيل، يكفي اتهام شخص بأنه واقع تحت تأثير أوهام الكونسبتسيا لحسم جدل يتعلق بالاستخبارات أو الأمن القومي، من دون الحاجة إلى تقديم مزيد من التفسيرات، فضلًا عن الأدلة.
مفاجأة 1973 و«الكونسبتسيا» الإسرائيلية
مرّ بالضبط 53 عامًا منذ آخر مرة حمّل فيها الإسرائيليون «الكونسبتسيا» مسؤولية إخفاق أمني قومي. ففي صباح 6 أكتوبر 1973، شنّت مصر وسوريا هجومًا منسقًا، في كارثة تعرفها إسرائيل باسم حرب يوم الغفران، بينما يسميها العرب حرب رمضان.
وخلال الأشهر التي سبقت ذلك الهجوم الدراماتيكي، خلصت الاستخبارات الإسرائيلية إلى أن خصومها العرب لن يشنوا هجومًا قبل امتلاك القوة الجوية والدبابات اللازمة لمعادلة التفوق الإسرائيلي في سلاح الجو والقوات المدرعة. ومع غياب أي مؤشرات على اقتراب مصر وسوريا من مضاهاة التفوق الإسرائيلي في هذين المجالين، رفضت كل المؤشرات التي كشفت استعداد قوات البلدين لعبور قناة السويس ومرتفعات الجولان، واعتبرتها غير جديرة بالتصديق.
وفرّق أحد أوائل الدراسات التي تناولت مفاجأة 1973، وأجراها في أواخر سبعينيات القرن الماضي العميد المتقاعد تسفي لانير، وهو من قدامى العاملين في مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بين نوعين من المفاجآت. أطلق على الأولى «المفاجآت الظرفية»، وهي ببساطة إخفاقات في توقع التطورات، بينما وصف الثانية بأنها «المفاجآت الأساسية»، وهي الحالات التي يقع فيها تطور مهم رغم وجود نظرية أو إطار مفاهيمي واسع القبول يفترض استحالة وقوع ذلك التطور وعدم إمكانية حدوثه.
فما «الكونسبتسيا» التي تبنتها الاستخبارات الإسرائيلية خلال السنوات والأشهر التي سبقت 7 أكتوبر 2023؟
افترضت أولًا أن حماس جهة فاعلة عقلانية قادرة على حساب المخاطر والتكاليف، وأنها تدرك جيدًا تفوق إسرائيل في ميزان القوة، وأن تركيزها ينصب على تثبيت حكمها في غزة، وأنها ما دامت تحصل على الحد الأدنى من المتطلبات اللازمة لاستمرار حكمها، فلن تتخذ إجراءات، مثل شن هجوم واسع على التجمعات السكانية الإسرائيلية في الجنوب، يمكن أن تهدد قبضتها على القطاع.
ولم تظل هذه «الكونسبتسيا» مجرد تصور نظري، بل أصبحت منذ سيطرة حماس على غزة عام 2007 المحرك الأساسي لمعظم القرارات والإجراءات التي اتخذتها إسرائيل في تعاملها مع القطاع. فقد تولت إسرائيل توفير احتياجات غزة من المياه والوقود والكهرباء والبيئة. كما عالجت المستشفيات الإسرائيلية في كثير من الأحيان الفلسطينيين في غزة الذين احتاجوا إلى إجراءات طبية لا تتوافر داخل القطاع، عبر عملية تنسيق بين وزارة الصحة التي تديرها حماس في غزة والمستشفيات الإسرائيلية.
والأكثر لفتًا للنظر كان اهتمام إسرائيل بالاحتياجات المالية لقطاع غزة، إذ ضغطت من أجل توفير الدعم المالي القطري للقطاع وسهلت وصول ما يصل إلى 20 ألف فلسطيني من غزة إلى فرص عمل في التجمعات السكانية بجنوب إسرائيل، وهي التجمعات نفسها التي هاجم آلاف من عناصر حماس سكانها بعنف في صباح 7 أكتوبر.
واتخذ النهج الإسرائيلي تجاه غزة أحيانًا طابعًا شبه هزلي. فمع استمرار الشيكل الإسرائيلي عملة أساسية في كثير من المعاملات داخل القطاع، كانت أي معاملة نقدية تتطلب تداول أوراق تحمل صورة زعيم إسرائيلي أو صهيوني مختلف.
وبالتأكيد، لم تستهدف «الكونسبتسيا» تحويل غزة إلى منطقة مزدهرة. فقد رأت إسرائيل أن نجاح غزة الخاضعة لحكم حماس يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يشجع الفلسطينيين في الضفة الغربية على محاكاة التجربة واستبدال القيادة العلمانية القومية التي تقودها حركة فتح بحماس أو بتشكيل سياسي أكثر إسلاموية.
وبدلًا من ذلك، صممت الإجراءات الإسرائيلية لتحقيق هدف أكثر تواضعًا، يتمثل في الحفاظ على حد أدنى من جودة الحياة في غزة، بحيث يقبله معظم سكان القطاع باعتباره مستوى يمكن تحمله، ومن ثم تقليل دوافعهم إلى تحدي النظام الذي تقوده حماس.
كيف رسخت إسرائيل تصورها عن حماس؟
اشتركت تصورات 1973 و2023 في ظاهرتين إضافيتين ساهمتا في صمودهما. أولًا، خدمت «الكونسبتسيا» في الحالتين غرضًا استراتيجيًا أوسع.
في الحالة الأولى، دعمت «الكونسبتسيا» عقيدة دفاعية جديدة عُرفت باسم «الحدود القابلة للدفاع عنها». واعتمدت إسرائيل هذه العقيدة بعد فترة قصيرة من انتصارها في حرب الأيام الستة عام 1967، لكنها تأثرت بصدمة الأسابيع التي سبقت الحرب، حين خشي كثير من الإسرائيليين أن يهدد تحالف عربي بقيادة جمال عبد الناصر وجود إسرائيل ذاته.
وبعد ما يزيد قليلًا على عقدين من المحرقة، خشيت إسرائيل أن تكون أراضيها الواقعة داخل حدود ما قبل 1967 عاجزة عن صد أي هجوم خارجي. لذلك أصرّت الحكومة الإسرائيلية على عدم انسحاب قواتها إلى مواقع الحدود السابقة لعام 1967 حتى مقابل السلام. ولم توضح السلطات الإسرائيلية آنذاك على وجه الدقة ما الذي يعنيه ذلك، لكن توافقًا واسعًا ظهر حول فكرة أن حدود إسرائيل المستقبلية لا يمكن أن تعود إلى خطوط ما قبل 1967، وأن على الجيش الإسرائيلي إبقاء قواته في مواقع مريحة داخل الأراضي التي سيطر عليها بعد عام 1967 إلى أن تقبل الدول العربية المجاورة بهذه المعايير.
وبالمثل، استهدفت «الكونسبتسيا» التي سبقت 7 أكتوبر 2023 تحقيق هدف استراتيجي أوسع للتحالف الحكومي الذي تقوده حركة الليكود، وهو منع إقامة دولة فلسطينية والتخلي عن حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وما الدليل الأقوى على أن هذا الحل لم يعد قابلًا للتطبيق من تحول الانقسام بين غزة والضفة الغربية إلى وضع دائم؟
وهذا تحديدًا ما يفسر، وفقًا لفيلدمان، الميل اللافت لدى بعض أكثر القادة الإسرائيليين يمينية إلى القول قبل أحداث 7 أكتوبر إن حماس تشكل ورقة يمكن الاستفادة منها، وإنه يمكن تحمل استمرار سيطرتها على غزة لأنها لن تفرض تكلفة كبيرة على إسرائيل.
ولكي تصدق إسرائيل هذا التصور، كان على مؤسستي الأمن والاستخبارات إقناع نفسيهما بأن حماس جهة عقلانية قادرة على حساب التكاليف، وأنها ستظل مردوعة بفعل تفوق إسرائيل في ميزان القوة، وهو تفوق تدركه حماس بالكامل.
واستند الإسرائيليون في استنتاج عقلانية حماس إلى الطريقة التي تصرف بها قادتها خلال العديد من الاتصالات والمفاوضات، بما في ذلك محاولات لم تكلل بالنجاح. وشملت تلك التجارب مفاوضات حماس وفتح التي جرت داخل السجون الإسرائيلية في مايو ويونيو 2006 وأسفرت عن ما عُرف باسم «وثيقة الأسرى»، والمفاوضات بين حماس والسلطات الإسرائيلية التي أفضت إلى صفقة جلعاد شاليط المثيرة للجدل عام 2011، والتي أطلقت إسرائيل بموجبها سراح يحيى السنوار، مهندس هجمات 7 أكتوبر، فضلًا عن المفاوضات الأحدث التي توسطت فيها الاستخبارات المصرية للتوصل إلى اتفاق هدنة طويل الأمد بين حماس وإسرائيل، أو ما يعرف بـ«الهدنة».
وأقنعت هذه التجارب مجتمعة الإسرائيليين بأنهم فهموا حماس، لكن 7 أكتوبر أثبت عكس ذلك.
التحول العسكري لحماس وإخفاق الاستخبارات الإسرائيلية
ما الرسائل التي أخفقت إسرائيل في قراءتها خلال السنوات والأشهر التي سبقت كارثتي 1973 و2023؟
في عام 1973، أخطأت إسرائيل في قراءة نوايا أنور السادات، ما أتاح له شن حرب رأت تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية أنها غير مرجحة. فقد أرسل السادات إشارات واضحة إلى استعداد مصر لدفع ثمن باهظ لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيها السيادية في شبه جزيرة سيناء، ولتفادي التهديد الوجودي الذي شكله تمركز قوات الجيش الإسرائيلي على طول قناة السويس، على مسافة تزيد قليلًا على 60 ميلًا من القاهرة.
لكن الرسالة التي حملها قرار مصر نقل مليون من مواطنيها بعيدًا عن منطقة القناة، إلى جانب إطلاق حرب الاستنزاف خلال عامي 1970 و1971، لم تجد آذانًا إسرائيلية صاغية.
كما تبنى السادات استراتيجية كبرى أكثر محدودية، فتخلى عن هدف مصر السابق المتمثل في هزيمة إسرائيل بشكل حاسم، واتجه إلى ما سماه «حرب الأهداف المحدودة». وكان من شأن حملة عسكرية مصرية محدودة، بالتزامن مع استخدام قوى عربية أخرى لسلاح النفط، أن تلحق بإسرائيل قدرًا كافيًا من الألم لإقناعها بأن مصر لن تقبل استمرار احتلال سيناء، وأنها ستسعى إلى استعادة سيادتها على شبه الجزيرة.
وفي المستوى العملياتي، أحدث السادات تحولًا جذريًا في الجيش المصري. فبدلًا من محاولة بناء قوة جوية تضاهي سلاح الجو الإسرائيلي، اتجهت مصر إلى حرمان إسرائيل من التفوق الجوي عبر بناء منظومة دفاع جوي متنقلة وقوية. وبالمثل، بدلًا من بناء قوة دبابات قادرة على مضاهاة القوات المدرعة الإسرائيلية، أغرقت القوات المسلحة المصرية ساحة المعركة بأعداد كبيرة من المشاة والمركبات التي تحمل صواريخ وقذائف مضادة للدبابات.
وفرض كلا الحلين قيودًا على الجيش المصري. فقد اضطرت القوات البرية إلى تجنب التقدم خارج نطاق مظلة الدفاع الجوي المتنقلة الجديدة، كما اضطر المشاة إلى تعريض أنفسهم للخطر بالتقدم داخل مدى الدبابات الإسرائيلية. لكن هذه القيود لم تكن مدمرة، لأن التغييرات المطلوبة انسجمت مع الاستراتيجية المصرية الأكثر تواضعًا.
وبالمثل، حمل إخفاق إسرائيل في فهم حجم التطور الاستراتيجي لحماس ومعناه وتداعياته خلال السنوات التي سبقت 7 أكتوبر 2023 عواقب بالغة الخطورة. فقد أخفقت إسرائيل في إدراك أن فشل حماس في التوصل إلى هدنة مع إسرائيل ورفع «الحصار» الذي فرضته إسرائيل ومصر بعد سيطرة الحركة على غزة عام 2007 يعني أن قادة حماس كانوا مستعدين لدفع ثمن باهظ لرفع الحصار بوسائل أخرى.
كما أخفقت إسرائيل في تقدير التحول الذي طرأ على الجناح العسكري لحماس، إذ انتقل من قوة مسلحة ذات طبيعة تمردية إلى جيش أكثر احترافية يضم فصائل وكتائب وألوية. وأتاح هيكل القيادة الجديد قدرًا أكبر من التنسيق، كما سمح بتبني نهج محدود للعمليات المشتركة بين الأسلحة.
وساعد هذا التنسيق المحسن حماس على تنفيذ ما اعتبرته إسرائيل أمرًا مستحيلًا، إذ اخترقت السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل في أكثر من 100 موقع في وقت متقارب للغاية خلال هجوم 7 أكتوبر. كما استخدمت حماس وحدات للطائرات المسيّرة ووحدات بحرية لتجاوز الحواجز الإسرائيلية.
واتضح كذلك أن منظومة الأنفاق التي بنتها حماس أوسع وأكثر تعقيدًا بكثير مما قدرت إسرائيل سابقًا، وهو ما منح الحركة قدرة على الصمود والاستمرار خلال هجوم عسكري إسرائيلي طويل.
وكما حدث في المفاجأة الاستراتيجية لعام 1973، أدى التغيير المتراكم في أساليب عمل حماس خلال السنوات التي سبقت 7 أكتوبر إلى منحها قدرة متعددة المستويات على إحداث «مفاجأة أساسية» لإسرائيل.
وفي الحالتين، رفضت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التخلي عن «الكونسبتسيا» التي تبنتها، حتى عندما لم يبذل الخصم جهدًا كبيرًا لإخفاء تحولاته الاستراتيجية والتكتيكية.
وظهر ذلك بوضوح في الطريقة التي تعاملت بها المستويات العليا داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مع التقارير التي رفعتها مجندات شابات في الجيش الإسرائيلي كنّ يراقبن أنشطة حماس على الجانب الآخر من السياج، إذ قوبلت تلك التقارير باستخفاف، إلى جانب تحذيرات أخرى أفادت باحتمال وقوع هجوم وشيك.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا التحليل على أنه دعوة إلى التخلي عن بناء الأطر المفاهيمية أو «الكونسبتسيا». فهذه الأطر ضرورية لفهم سيل البيانات التي تجمعها أجهزة الاستخبارات ليلًا ونهارًا.
لكن ينبغي استخلاص درسين أساسيين من التجربتين. يتمثل الأول في أن تجنب «المفاجآت الأساسية» يتطلب طرح الأسئلة بصورة متكررة وإعادة فحص المقدمات والافتراضات التي تقوم عليها الأطر المفاهيمية.
أما الثاني، فيتعلق بعدم كفاية إنشاء وحدات داخل المؤسسات الاستخباراتية تتولى مهمة التشكيك في صلاحية «الكونسبتسيا» المعتمدة. فبالنظر إلى قدرة هذه الأطر على الصمود أمام التحديات، ينبغي دعم تلك الوحدات وتزويدها بحماية إضافية في مواجهة الجهات التي تشعر بأن عملية التشكيك الضرورية تهدد مصالحها.
وإلا، فإن وقوع «مفاجأة أساسية» أخرى لن يكون سوى مسألة وقت.
https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/why-israel-wasnt-ready-for-hamas-october-7-attacks

